فصل: طريق معرفة سبب النزول:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.6- أول سورة نزلت بمكة وآخر سورة نزلت بها:

أول سورة نزلت بـ بمكة: {اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ} أي صدرها إلى {ما لَمْ يَعْلَمْ} وآخر سورة نزلت بها المؤمنون ويقال العنكبوت.

.7- أول سورة نزلت بالمدينة وآخر سورة نزلت بها:

وأول سورة نزلت بالمدينة سورة البقرة، وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح الاتفاق على ذلك، لكن في دعوى الاتفاق نظر، فقد نقل الواحدي عن علي بن الحسين أن أول سورة نزلت بالمدينة: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ}.
وآخر سورة نزلت بالمدينة {براءة}، وقيل: سورة المائدة، وقيل: سورة النصر، أقول: والظاهر أن آخر سورة نزلت بالمدينة بتمامها هي سورة: {إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ...} فقد روي أنها نزلت في حجة الوداع في أوسط أيام التشريق على النبي صلى الله عليه وسلم أما {براءة} والمائدة فهما من أواخر السور نزولا، ولم تنزلا دفعة واحدة.

.المبحث الرابع: أسباب النزول:

ينقسم القرآن الكريم من حيث سبب النزول وعدمه إلى قسمين:
1- ما نزل ابتداء من غير سبق سبب نزول خاص، وهو كثير في القرآن الكريم، وذلك مثل الآيات التي اشتملت على الأحكام والآداب، التي قصد بها ابتداء هداية الخلق وإرشادهم إلى ما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
2- ما نزل مرتبطا بسبب من الأسباب الخاصة، وهو موضوع بحثنا الآن، وليس من قصدنا في هذا المبحث استيعاب آيات القرآن، التي نزلت لأسباب خاصة وذكر أسبابها، إنما قصدنا ذكر مباحث كلية تعين على تفسير كتاب الله، ومعرفة القواعد والاصطلاحات في هذا الباب.
وقد ألف في أسباب النزول على سبيل التفصيل جماعة، منهم علي ابن المديني شيخ البخاري، ومنهم الواحدي وابن حجر والسيوطي وله في ذلك كتاب حافل سماه لباب النقول في أسباب النزول، وهو مطبوع على هامش تفسير الجلالين.

.ما هو سبب النزول؟:

سبب النزول: هو ما نزلت الآية أو الآيات متحدثة عنه، أو مبينة لحكمه أيام وقوعه.
والمعنى: أن حادثة وقعت، أو سؤالا وجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فنزل الوحي بتبيان ما يتصل بهذه الحادثة، أو بجواب هذا السؤال، وذلك مثل حادثة خولة بنت ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت فنزلت بسببها آيات الظهار، ومثل ما حدث بين الأوس والخزرج من خصومة، بسبب تأليب أحد اليهود العداوة بينهما، فقد نزل عقبها قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمانِكُمْ كافِرِينَ...} [آل عمران: 100- 103] الآيات.
وسواء أكان هذا السؤال يتعلق بأمر مضى مثل قوله تعالى في سورة الكهف: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً} [الآية 83 وما بعدها]، أم يتصل بحاضر؛ مثل قوله تعالى في سورة الإسراء: {وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَما أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء: 85]، أم يتصل بمستقبل؛ وذلك مثل قوله تعالى في سورة الأعراف: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها قُلْ إِنَّما عِلْمُها عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيها لِوَقْتِها إِلَّا هُوَ...} [الأعراف: 187].
والمراد بأيام وقوعه أن تنزل بعده مباشرة، أو بعد ذلك بقليل، مثل الآيات المتعلقة بقصة أهل الكهف وذي القرنين، فقد نزلت بعد خمسة عشر يوما من سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم، ومثل حادثة الإفك، فقد نزلت الآيات المتعلقة بذلك بعد شهر.
وهذا القيد في التعريف: يخرج الآيات التي تنزل ابتداء، بينما هي تتحدث عن قصص الأنبياء، وأحوال الأمم معهم، أو عن بعض الحوادث الماضية، كسورة الفيل مثلا، أو تتحدث عن مستقبل كاليوم الآخر وما فيه من نعيم أو عقاب؛ فإن هذه القصص والأحداث لا تعتبر أسباب نزول فتنبه لذلك، ولا تغلط فيه كما غلط بعض العلماء.

.طريق معرفة سبب النزول:

لا طريق لمعرفة أسباب النزول إلا النقل الصحيح، ولا مجال للعقل فيه إلا بالتمحيص والترجيح؛ قال الواحدي في كتاب أسباب النزول: لا يحل القول في أسباب نزول القرآن إلا بالرواية والسماع، ممن شاهدوا التنزيل، ووقفوا على الأسباب، وبحثوا عن علمها، وجدوا في الطّلاب، أي بالغوا في طلب العلم.
فالمعول عليه في أسباب النزول: هم الصحابة، ومن أخذ عنهم من التابعين.
ومعرفة سبب النزول أمر يحصل للصحابة بقرائن تحتف بالقضايا، وكثيرا ما يجزم بعضهم بالسبب، وربما لم يجزم بعضهم؛ فقال: أحسب هذه الآية نزلت في كذا، كما قال الزبير في قوله تعالى: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ...} الآية.
روى الشيخان في صحيحيهما عن عروة بن الزبير عن أبيه أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في شراج الحرة التي يسقون منها النخل فقال الأنصاري: سرح الماء يمر، فأبى عليه فاختصما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير: «اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك» فغضب الأنصاري ثم قال: يا رسول الله أن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال للزبير: «يا زبير احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر» فقال الزبير: والله إني لأحسب هذا الآية نزلت في ذلك: {فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ}. زاد البخاري: فاستوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل ذلك قد أشار على الزبير رأيا أي أراد سعة له وللأنصاري، فلما أحفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم استوعى رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير حقه في صريح الحكم، فقال الزبير والله ما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك.

.حكم قول الصحابي في سبب النزول:

وقول الصحابي في سبب النزول، له حكم المرفوع، كما نبه على ذلك الحاكم وابن الصلاح وغيرهما من أئمة علوم الحديث؛ لأنه قول فيما لا مجال للرأي فيه، ويبعد كل البعد أن يقول ذلك من تلقاء نفسه، فهو محمول على السماع أو المشاهدة.
وقول التابعي في سبب النزول، له حكم المرفوع إلا أنه مرسل، فقد يقبل إذا صح السند إليه، وكان من أئمة التفسير، الآخذين عن الصحابة، كمجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير؛ أو اعتضد بمرسل آخر، ونحو ذلك.
وممن كان عالما بذلك من الصحابة عبد الله بن مسعود رضي الله عنه روى البخاري في صحيحه عنه قال: والله الذي لا إله غيره، ما أنزلت سورة من كتاب الله إلّا وأنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آية من كتاب الله تعالى إلا وأنا أعلم فيمن نزلت ولو أعلم أحدا أعلم مني بكتاب الله تبلغه الإبل، لركبت إليه.

.التثبت في القول في سبب النزول:

وينبغي التثبت في سبب النزول، وإلّا دخل القائل تحت قوله صلى الله عليه وسلم: «واتقوا الحديث عليّ إلا ما علمتم فإن من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار ومن كذب على القرآن- بغير علم- فليتبوأ مقعده من النار» رواه أبو داود.
وكان السلف الصالح يتحرجون من القول في سبب النزول بغير علم، قال محمد بن سيرين: سألت عبيدة عن آية من القرآن، فقال: اتق الله، وقل سدادا، ذهب الذين يعلمون فيم أنزل القرآن.

.فوائد معرفة سبب النزول:

لمعرفة سبب النزول فوائد كثيرة منها:

.الفائدة الأولى:

الاستعانة على فهم الآية، وإزالة الإشكال عنها، قال الواحدي في كتاب أسباب النزول: لا يمكن معرفة الآية دون الوقوف على قصتها، وبيان نزولها.
وقال ابن دقيق العيد: معرفة سبب النزول طريق قوي في فهم معاني القرآن.
وقال ابن تيمية: معرفة سبب النزول يعين على فهم الآية، فإن العلم بالسبب يورث العلم بالمسبب... ولذلك أمثلة كثيرة منها:
أ- أنه أشكل على عروة بن الزبير رضي الله عنهما أن يفهم فرضية السعي بين الصفا والمروة من قوله تعالى: {إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما} [البقرة: 158] الآية، وذلك لأن الآية نفت (الجناح) ونفي الجناح لا يدل على الفرضية، حتى سأل خالته السيدة (عائشة) رضي الله عنها عن ذلك، فأفهمته، أن نفي الجناح ليس نفيا للفرضية، إنما هو نفي لما وقر في أذهان المسلمين يومئذ من التحرج والتأثم من السعي بين الصفا والمروة؛ لأنه من عمل الجاهلية.
وقد روي في سبب هذا التحرج: أنه كان على الصفا صنم يقال له: إساف، وعلى المروة صنم يقال له: نائلة، وكان المشركون إذا سعوا تمسحوا بهما، فلما ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام تحرج المسلمون أن يطوفوا بينهما لذلك ولأن الله لم يذكر السعي بين الصفا والمروة في القرآن كما ذكر الطواف بالبيت في قوله سبحانه: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ}؛ فنزلت الآية لنفي هذا الحرج.
وقيل السبب أن بعض الأنصار كانوا يهلون لـ مناة الطاغية عند المشلل، فكان من أهل منهم لمناة: يتحرج أن يطوف بين الصفا والمروة، تعظيما لها، فلما أسلموا سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن هذا التحرج، فأنزل الله الآية لرفع التحرج.
وقد جاء بهذا وذاك الروايات الصحيحة في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها ولا منافاة بين الروايات، لأن فريقا منهم كان يطوف بينهما في الجاهلية فلما جاء الإسلام تحرج من ذلك، وبعضهم ما كان يطوف بينهما، ويتحرج من ذلك في الجاهلية، تعظيما لصنمهم، فلما جاء الإسلام استمروا على تحرجهم واستفهموا عن هذا، فأنزل الله هذه الآية مزيلة لحرج الفريقين.
وأيّا ما كان الأمر، فالآية لا تنافي الفرضية، كما قالت السيدة عائشة العالمة، ولو أراد الله ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت في ردها على ابن أختها وقد تأكدت فرضية السعي بين الصفا والمروة بفعله صلى الله عليه وسلم وقوله: «خذوا عني مناسككم»، وقالت عائشة- أيضا- قد سن رسول الله صلى الله عليه وسلم الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ومعنى سن: شرع أو فرض، بدليل من السنة، لا من الكتاب، فلولا معرفة سبب النزول لما زال الإشكال ولفهم البعض الآية على غير وجهها.
ب- ومن ذلك قوله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ...} [سورة الطلاق: 4] فقد أشكل معنى هذا الشرط على بعض الأئمة، حتى قال الظاهرية: بأن الآيسة لا عدة عليها إذا لم ترتب، وقد أزال هذا الإشكال سبب النزول، ذلك أنه لما نزلت الآية التي في سورة البقرة في عدد النساء، قالوا: قد بقي عدد- بفتح العين من –عدد- بكسر العين، النساء لم يذكرن: الصغار والكبار، فنزلت الآية، أخرجه الحاكم، عن أبيّ، فعلم بهذا: أن الآية خطاب لمن لم يعلم: ما حكمهن في العدة وارتاب: أعليهن عدة أم لا وأ عدّتهن كاللائي في سورة البقرة أم لا فظهر بهذا أن المعنى: إن ارتبتم- أي إن أشكل عليكم حكمهن، وجهلتم كيف يعتدون- فهذا حكمهن.
ج- ومن هذا قوله تعالى: {وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115].
فلو تركت على ظاهرها لاقتضت أن المصلي لا يجب عليه استقبال القبلة، سفرا ولا حضرا، وهو خلاف الإجماع.
فلما عرف سبب نزولها علم أنها في نافلة السفر أو نزلت في الرد على اليهود الذي سفهوا على النبي والمسلمين بسبب تحويل القبلة إلى الكعبة، أو في من صلى بالاجتهاد وبان له الخطأ، على اختلاف الروايات في ذلك، فلولا معرفة السبب لبقيت الآية مشكلة.
د- ما حكي عن قدامة بن مظعون وعمرو بن معديكرب أنهما كانا يقولان: الخمر مباحة، ويحتجان بقوله تعالى: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا إِذا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ} [المائدة: 93]، ولو أنهما علما سبب النزول لما قالا ذلك، ولكن خفي عليهما، فوقعا في هذا الرأي الشاذ، فقد روي: أن ناسا قالوا لما حرمت الخمر: كيف بمن قتلوا في سبيل الله، وماتوا، وكانوا يشربون الخمر، وهي رجس فنزلت. رواه أحمد والنسائي وغيرهما.
فدل سبب النزول على أن ذلك كان قبل التحريم، وأن الآية لا تصلح دليلا لذلك، وأيضا فكيف تجامع التقوى شرب الخمر، ولذلك لما حاج سيدنا عمر قدامة وصاحبه قال: كيف يجامع شرب الخمر التقوى!
هـ- ومن ذلك ما روي في الصحيح عن مروان بن الحكم أنه أشكل عليه قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفازَةٍ مِنَ الْعَذابِ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ} [آل عمران: 188] فبعث إلى ابن عباس فسأله: لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي، وأحب أن يحمد بما لم يفعل معذبا لنعذبن أجمعون!! فقال ابن عباس: إن هذه الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه إياه، وأخبروه بغيره، وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، رواه الشيخان، ومقتضى جواب ابن عباس أن اللفظ وإن كان عامّا إلا أنه أريد به خاص.
وقد علق بعض العلماء على جواب ابن عباس رضي الله عنهما ما بين موافق ومخالف، قال الزركشي في البرهان: لا يخفى عن ابن عباس رضي الله عنه أن اللفظ أعم من السبب، لكن بين أن المراد باللفظ خاص ونظيره تفسير النبي صلى الله عليه وسلم الظلم بالشرك في قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ...}
وقال بعض العلماء: هذا الجواب مشكل لأن اللفظ أعم من السبب، ويشهد له قوله صلى الله عليه وسلم: «المتشبّع بما لم يعط كلابس ثوبي زور» وإنما الجواب: أن الوعيد مرتب على أثر الأمرين المذكورين، وهما الفرح وحب الحمد، لا عليهما أنفسهما، إذ هما من الأمور الطبيعية التي لا يعلّق بها التكليف أمرا ونهيا، وقال الخازن في تفسيره: وهذه الآية وإن كانت قد نزلت في اليهود أو المنافقين خاصة، فإن حكمها عام في كل من أحب أن يحمد بما لم يفعل من الخير والصلاح أو ينسب إلى العلم وليس هو كذلك.
أقول: ولعل القول بالعموم أولى ليشملهم، وكل من على شاكلتهم إلى يوم القيامة، وليس من شك في أن من فرح بما فعل من إنكار الحق، ومحاولته ستره وجحوده، أو بما أعطى فرح بطر وأشر، وحبه أن يحمد بما لم يفعل، وبما ليس فيه من الصفات- ليس بمنجاة من عذاب الله؛ لأنها من الرذائل الخلقية التي لا يرضاها الإسلام.
ومن قال: إن هاتين الرذيلتين اللتين تضمنتهما الآية لا يسلم منهما إنسان أنا لا أوافق مروان على هذا، ولاسيما في العصور الأولى الفاضلة، فقد كان معظم المسلمين ممن تأبى أخلاقهم هذا، أما ما رآه ابن عباس فهو اجتهاد منه، وكأنه رأى في سبب النزول صارفا للفظ عن عمومه استقطاعا لما استفظعه مروان، ولا حجر في الإسلام على الاجتهاد، ولكل وجهة هو موليها.